الفيض الكاشاني
24
أنوار الحكمة
ورأى فيه الشاعر والمصنّف ، ورأى آثاره من حيث هو آثاره - لا من حيث أنّه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض - فلا يكون قد نظر إلى غير المصنّف . فكلّ العالم تصنيف اللّه - تعالى - فمن نظر إليها من حيث أنّها فعل اللّه ، وعرفها من حيث أنّها فعل اللّه ، وأحبّها من حيث أنّها فعل اللّه : لم يكن ناظرا إلّا في اللّه ، ولا عارفا إلّا باللّه ، ولا محبّا إلّا للّه ؛ وكان هو الموحّد الحقّ الذي لا يرى إلّا اللّه ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه ؛ بل من حيث هو عبد اللّه « 1 » . فهذا هو الذي يقال فيه : « إنّه فنى في التوحيد ، وإنّه فنى من نفسه » ؛ وإليه الإشارة بقول من قال : « كنّا بنا ، ففنينا عنّا ، فبقينا بلا نحن » . فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها ، وقصور قدرة العلماء عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة « 2 » للغرض إلى الأفهام ، أو لاشتغالهم بأنفسهم ، واعتقادهم أنّ بيان ذلك لغيرهم ممّا لا يعنيهم . فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة اللّه - تعالى - . وانضمّ إليه أنّ المدركات كلّها التي هي شاهدة على اللّه إنّما يدركها الإنسان في الصبى ، عند فقد العقل « 3 » قليلا قليلا ، وهو مستغرق الهمّ بشهواته ، وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها ، فسقط وقعها عن قلبه بطول الانس ، ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا ، أو فعلا من أفعال اللّه خارقا للعادة عجيبا : أنطق لسانه بالمعرفة طبعا ، فقال : « سبحان اللّه » ؛ وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة - وكلّها شواهد قاطعة - ولا يحسّ بشهادتها لطول الانس بها .
--> ( 1 ) في هامش مل : به جهان خرم از آنم كه جهان خرم ازوست * عاشقم بر همه عالم كه همه عالم ازوست ( 2 ) مل : موصولة . ( 3 ) الإحياء والمحجة : + ثم تبدو فيه غريزة العقل .